Windows Live Messenger + Facebook

Google+ Badge

Google+ Followers

زهير

الاثنين، 23 يناير، 2012

وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم




هذا الدرس يتحدث عن مميزات كلام ووصايا النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس الأبواب التي اشتملت عليها وصاياه صلى الله عليه وسلم وفصلها بعد ذلك، وهي باب التوحيد، وباب العبادة، وباب الأدب والأخلاق، وباب الزهد.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعالج أصحاب الأمراض بما يناسبهم ويناسب أحوالهم، فالذي يغضب يوصيه بألا يغضب.

وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم يحث كل شخص للعمل الذي سيبدع ويبرع فيه، فمثلاً: خالد في الجهاد، ومعاذ في الفقه، وبعضهم يوصيه بذكر الله، وبعضهم يحذره من الفتنة.

النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، ومثلما نقول، وفوق ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، أنت سند الملتجئين، أنت عضد المهضومين، أنت رب الأحباب الأخيار المتجهين إليك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

والصلاة والسلام على رسول الله، سيف الحق الذي قصَّر الله به آمال القياصرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، الذين طغوا وبغوا فأرداهم ظلمهم في الحافرة، صلى الله على محمد، أُذُن الحق والخير التي وعت رسالة السماء فأدتها للبشرية، صلى الله على محمد لسان الصدق، أفصح لسان أدَّى العبارة متجهة إلى البشر.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

ولو أنه حسن فريد عذرته ولكنه حسن وثانٍ وثالث
وإننا لنقف في رحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن كان للعمر لذة، وإن كان للحياة مواهب، وإن كان في العيش سعادة، فإنما هو في قطف رياضه صلى الله عليه وسلم:

من زار بابك لم تبرح جوارحه تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسن
إن كان عيسى عليه السلام أحيا الله عز وجل به الأموات، فو الله لقد أحيا الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم آلاف بل ملايين القلوب.

وإن كان عيسى عليه السلام أبرأ بإذن الله الأكمه، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أبرأ الله به كمه البصائر.

وإن كان عيسى عليه السلام شافى الله به البرص، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم شافى به الله برص المعارف:

أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام معجزة بعد القرآن، فمعجزته صلى الله عليه وسلم أن يخرج مثل هذه الوجوه، ومثل هذه القلوب -آلاف المرات- من الصحراء:

أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الصحراء أحياه
إنها معجزة ما بعدها معجزة!! وأنا على شرف ما قدم لي أخي وزميلي، وقال ما لست بأهل له، فأنا أستغفر الله من الحقارة ومن الذنب والتطفل على موائد أهل العلم، ولكن:

لعمر أبيك ما نسب المعلى إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نفتها رعي الهشيم
شرفي كل الشرف أن أجلس على مائدة محمد صلى الله عليه وسلم: فأقطف من أزهاره ما قد شذى أنفاسها في أعراقكم، وأعذق من رحيقها ما قد تسنمتموه من ليالٍ وأيام قبلي وقبل هذا المجلس.

نعم.
إن وصاياه خالدة صلى الله عليه وسلم، وإنها حية للأجيال، ولذلك يقول المثل: (كلمات السادات وسادات الكلمات) فكلما نبل الرجل وعظم وشرف كانت كلماته أشرف من كلمات غيره، فما بالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كلماته نور؟!

ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء
يصور الكلمة، ويصبغ العبارة، فتحيي من أهل الصحراء ومن أرض الصحراء أمة مهللة ومكبرة تفتح الأبحر والمحيطات.

ولذلك في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوتيت جوامع الكلم } أي اللفظ العجيب الموجز، الذي يجمع الفوائد والعبارات الطويلة في لفظ قصير، وإن كان كلامه صلى الله عليه وسلم يفوق كلام الناس فلا غرو، فهذا التراب الذي نطؤه بأرجلنا خلق الله منه الإنسان، وصوره منه، فلا غرب ولا عجب، أن يأتي صلى الله عليه وسلم ليصنف من كلامنا الذي نهذوا به الساعات الطويلة عبارات حية، رائقة رائعة، يحيي الله بها النفوس والأرواح.

ولذلك روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه قال: { خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا النبي الأمي، أنا النبي الأمي، أنا النبي الأمي، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه، واختصر لي الكلام اختصاراً } وروى أبو يعلى عن عمر رضي الله عنه وأرضاه، قال: { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اختصر لي الكلام اختصاراً، وأوتيت جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه } وعند الدار قطني عن ابن عباس قال: { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اختصر الله لي الكلم اختصاراً } فمع كلام محمد صلى الله عليه وسلم، ومع عذوبته، ومع وصاياه، فإنه أصدق ناصح عرفته البشرية للبشرية، وأصدق واعظ عرفته الإنسانية للإنسانية وأخطب خطيب، وأفصح فصيح تمثل في كيان البرية للبرية.

موضوع الوصايا يدور على ثلاثة عناصر:
أولها: خصائص وصاياه صلى الله عليه وسلم: ما هي هذه الخصائص التي تميز وصاياه عن وصايا الناس؟ هل هناك فارق بين وصاياه ووصايا غيره مهما بلغ غيره من المدح، والعلم، والتقوى، والسمو، أم هي الوصايا سواء في ميزان واحد؟
والعنصر الثاني: الأبواب التي طرقها صلى الله عليه وسلم بالوصايا، والطرق التي قصدها صلى الله عليه وسلم بالنصائح.

والعنصر الثالث: قيمة وصاياه صلى الله عليه وسلم في ميزان النصح، وفي ميزان النفع عند العقلاء .

خصائص وصايا النبي صلى الله عليه وسلم
أما مِيَز وصاياه صلى الله عليه وسلم عن غيره فثلاث مِيَزْ:
أولها: الأصالة والعمق.

وثانيها: الإيجاز والاختصار.

وثالثها: مراعاة الأحوال .

الأصالة والعمق
أما الأصالة والعمق؛ فإنه أصيل في وصاياه صلى الله عليه وسلم، فليأت فيران البشرية الذين حطموا الإنسان، وصنعوا وصايا ظنوها وصايا، إنها تهدم مجد الإنسان، وكرامته، وعزته، وسموا أنفسهم ناصحين كـ كانت ، و ديكارت ، ومن لف لفهم مثل ماركس ، و لينين وغيرهم من الذين أعمى الله بصائرهم وطبع على قلوبهم، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

لنأتي لنقارن وصاياه صلى الله عليه وسلم مع وصايا هؤلاء، فسنجد أن وصاياه تتميز بالأصالة والعمق، فهي عميقة أصيلة، إن كانت ، و ديكارت يوصون الإنسان أن ينام ويستيقظ مبكراً، وأن يأكل وجبة كذا في وقت كذا، ولكن المنقذ بإذن الله والمعلم بعون الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أوصى الإنسان بما كفل له سعادة الدنيا والآخرة.

الإيجاز والاختصار
والأمر الثاني: أن وصاياه صلى الله عليه وسلم فيها إيجاز واختصار، لا إسهاب، ولا إطناب، يقول سامعها:

بالله لفظك هذا سال من عسلٍ أم قد صببت على أفواهنا العسلا
فلذلك كانت وصاياه مختصرة عليه الصلاة والسلام، ويظن كثير من الناس أنهم إذا أوصوا وأكثروا في الكلام أمثالنا، أن في الكثرة علماً وفهماً، ولكن ماذا نفعل؟ إذا أكثر أهل الضلالات من المحاضرات ومن الكلمات والندوات، أفلا يتكلم أهل الحق بعشر معشار ما تكلم به أهل الضلالة؟!
يظن كثير من الناس أن في كثرة الوصايا، وفي طول الكلام عمد وسند وعضد للموصى، وينقل ابن الجوزي عن رجل يظن أن الدعاء وإنما هو للمسافات الطويلة، والرجل هذا أحمق، أراد السفر فاستودع الله أهله، وقال: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، فقاموا يدعون له بالعافية والسلامة والعودة والقبول، فيقول: المكان قريب يعني: السفر لا يحتاج كثرة دعاء لأن المكان قريب.

مراعاة الأحوال
الأمر الثالث: مراعاة الأحوال:

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
فقد كانت وصاياه عليه الصلاة والسلام تراعي الحال، يأتيه الرجل وعليه صفة الغضب، وعليه اكفهرار السب والشتيمة، فيعالجه صلى الله عليه وسلم بدواء يناسبه من صيدلية محمد صلى الله عليه وسلم، ويأتيه الرجل الذي انعقد كفه على البخل، فيوصيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبذل، ويأتيه الرجل العملاق القوي البنية والإرادة، فيوصيه بالجهاد في سبيل الله، ويأتيه الشيخ الكبير المهلهل الفاني المريض فيوصيه بذكر الله، ويأتيه الرجل المجرم المسرف على نفسه فيحبب له باب التوبة ويفتحه على مصراعيه.

فأي رجل يعرف هذه المعرفة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ليست هذه الميزة الثالثة لغيره من الناس، كثير من الناس يأتون للرجل منحني الظهر من العجز والكسل فيتحدثون له بالجهاد، ويأتون للمغامر المجرم فيتحدثون له عن فسحة الأمل، ويأتون للبخيل الشحيح فيتحدثون له عن فضل إمساك المال، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام يعطي كل ذي حق حقه، وكل مقام مقاله.

أبواب وصاياه صلى الله عليه وسلم
وأما أبواب وصاياه صلى الله عليه وسلم وهي الباب الثاني الذي نقرعه فكثيرة، فما هي هذه الأبواب التي طرقها صلى الله عليه وسلم؟ أأبواب التصوف والطب، أم أبواب الرياضة والفن عند من لا يعرفون الفن، أم أبواب ماذا؟
إنها أبواب الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، إنها أبواب مسيرة العبد إلى الله، إنها أبواب مستقبل الإنسان، يوم يريد أن يشرفه الله عز وجل.

ولذلك روى أهل العلم بأسانيدهم: أن الله عز وجل نظر إلى الناس فمقتهم جميعاً، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يوم وقف على الصفا ، ويوم قال: لا إله إلا الله، استفاقت القلوب على لا إله إلا الله، ومن يوم أن كرر لا إله إلا الله على الأسماع سجدت الرءوس لرب لا إله إلا الله:

إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
أبواب وصاياه صلى الله عليه وسلم أربعة أبواب: أولها: باب التوحيد، ثانيها: باب العبادة، ثالثها: باب الزهد في الدنيا، رابعها: باب الأخلاق والأدب، ولن تجد حديثاً إلا وتدرجه تحت هذه الأبواب، ولن تجد وصية أو نصيحة إلا ولك أن تلفها تحت هذه المظلة الخضراء، فتوحيد خالص نقي كالشمس، وعبادة راضية مرضي عن صاحبها، وزهد في حطام الدنيا، وأخلاق وأدب على منهج الكتاب والسنة .

باب التوحيد
فلنأت الآن إلى موضوع وصاياه صلى الله عليه وسلم في التوحيد، كيف أوصى بالتوحيد؟ لا يمكن أن ينصح، أو أن يصدق رجل في هذه الأمة مهما بلغ في الصلاح والنسك كما صدق محمد صلى الله عليه وسلم:

المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
فأول ما طرق صلى الله عليه وسلم التوحيد، فكان ينشئ أصحابه بلمسات التوحيد على قلوبهم، دعوة عامة في المحافل، يوم يرد صلى الله عليه وسلم سوق عكاظ ، ويجتاز بـ ذي المجنة ، وبـ ذي المجاز ، فيتفصح صلى الله عليه وسلم بكلمات التوحيد، ويوم يقف على الصفا ويقول: { يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله } ولنكتفي بأحاديث وقف صلى الله عليه وسلم فيها معلماً وداعية، وناصحاً لأصحابه في التوحيد .

وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس
أولها: حديث ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، ويا لـ ابن عباس ، ويا لثمرة الجهد المتواصل منه صلى الله عليه وسلم في تربية ابن عباس ، يوم أن فقهه في دين الله، فأخرجه مشكاة تبعث هداها وسناها ونورها، ركب ابن عباس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو رديفه على حمار، والرسول صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، لكنه ركب كواكب النصر والفلاح والمجد، فيختلسها صلى الله عليه وسلم فرصة، ويقول: { يا غلام! فيقول ابن عباس : لبيك وسعديك يا رسول الله، فيقول: إني أعلمك كلمات -لكنها كلمات نور وهداية وكلمات بشر وخير وسعادة في الدنيا والآخرة، ليست طويلة ولكنها عميقة أصيلة- احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف } رواه الترمذي و أحمد ، وزاد { واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً } ورواه أيضاً النسائي ، ورواه ابن ماجة بلفظ { يا ابن عباس ! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك } من هذا المنطلق ومن هذا الحديث، نأخذ وصية في التوحيد، ونعرضه على الذين يقولون: لا حاجة الآن أن نتدارس التوحيد، فلقد وعى الناس التوحيد، فما هناك حاجة إلى أن يعرفوا مسائل التوحيد، ثكلتك أمك يا بعير! وهل المسألة إلا مسألة توحيد، وهل الدعوة إلا دعوة عقيدة، وهل الرسالة إلا رسالة لا إله إلا الله، فأين أنت من هذا؟!
إن الرسول عليه الصلاة والسلام -كما قلنا- كان يعرف استعدادات الصحابة، فكان يضع كل إنسان في موضعه، لا يضع الأديب في موضع المفتي، ولا المفتي في موضع القائد، ولا القائد في موضع الزاهد، ولا الزاهد في موضع الجندي، بل يضع كل واحد في مكانه الذي أهله الله له.

أرأيتم أين وضع خالداً يوم أن كان سيفاً من سيوف الله وضعه على الجبهات، يكسر رءوس الملاحدة بسيف الله، وأتى بـ حسان يوم كان أديباً ووضعه عند المنبر؛ ليرسل القوافي الفصيحة على المعاندين ليرغم أنوفهم في التراب، وأتى بـ زيد بن ثابت يوم كان فرضياً يبرم مسائل الفرائض فأعطاه التقسيم والتوزيع والميراث، وأتى بـ معاذ يوم كان عالماً في الحلال والحرام، فأعطاه موضوع الفقه، هكذا كان يفعل صلى الله عليه وسلم.

وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل
رضي الله عن معاذ بن جبل وأرضاه، الشاب الذي وعى التوحيد، وأرسل صوته بالتوحيد إلى الجند في جنوب اليمن ، وإلى عسقلان في جنوب فلسطين ، ليكون شهيداً هناك، فسبحان الله! أي أمة كنا يوم كانت اهتماماتنا بلا إله إلا الله؟! أي أمة كنا يوم كانت رسالتنا رفع لا إله إلا الله؟! إن الذين يعيشون على مطامع الشهوات والبطون، لا يهتمون بلا إله إلا الله في أربع وعشرين ساعة، بل في الأسبوع، بل في السنة، إنهم يخلفون أثرهم، وانتسابهم إلى معاذ رضي الله عنه وأرضاه:

بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
{ قال صلى الله عليه وسلم لـ معاذ ، وهو راكب معه على حمار: يا معاذ ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ فقال -وانظر إلى الأدب والحياء والتوقير والإجلال-: الله ورسوله أعلم.

قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: أتدري يا معاذ ما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً } متفق عليه، ورواه أحمد في المسند بلفظ آخر.

وكان هذا الحديث وصية ونصيحة من نصائح التوحيد التي أرسلها صلى الله عليه وسلم لـ معاذ ، أتدرون متى بلغها الناصح الأمين معاذ ؟
على فراش الموت، يوم أن حضرته الوفاة وهو في عسقلان يرفع لا إله إلا الله في الشام ، ويطارد كلاب البشرية الذين يحاربون لا إله إلا الله، فاندلعت في كفه بثرة من طاعون، ولكنه يريد الموت، يريد لقاء الله والناس يريدون الحياة، فقالوا: شافاك الله، عافاك الله، لا ضير عليك، فيقول: [[ لا والله لقد أحببت لقاء الله، والله لو كانت روحي في كفي لأطلقتها، اللهم إنك تكثر القليل، وتكبر الصغير، اللهم فكبرها ونمها وكثرها ]] يعني: البثرة، فاندفعت في جسمه، وأتاه اليقين على فراش الموت، وحق الحق لأهل الحق، وبقي اليقين لأهل اليقين، وخسئ الذين غدروا مع لا إله إلا الله، وتُبِّر الذين فجروا مع عقيدة لا إله إلا الله، فماذا قال في سكرات الموت؟ هل تأسف على منصبه الذي كان يشغله؟! هل بكى على ماله وولده؟! هل ندم على قصوره؟! لا والله، فما كان عنده من الفلل والقصور من شيء، إنما هي قصور من دين وعمل صالح ونوافل وعبادة، وفلل من يقين وخير وحسن خلق، وأشجار من معاملة طيبة ودعوة ناجحة، بكى وهو في فراش الموت، وقال: [[ مرحباً بالموت حبيباً جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لرفع القصور،ولا لعمارة الدور، ولكنني كنت أحب الحياة -فاسمعوا يا أبناء الحياة- لأعفر وجهي ساجداً لك في الأرض، ولأزاحم العلماء بالركب في حلق الذكر، ولأدعوك وأتملقك في الليل الداجي ]].
فسلام عليك يا معاذ بن جبل يوم أسلمت، وسلام عليك يوم دعوت إلى الله، وسلام عليك يوم نصحت ويوم مت ويوم تبعث حياً.

وصية النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي
في الترمذي بسند حسن: { أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -والأعراب أهل مصائب في حياته صلى الله عليه وسلم، الأسئلة الثقيلة، الجفاء، تعكير جو الهدوء والسكينة في المسجد، الضجة والصجة، تضييع الوقت والمحاضرات والكلمات على رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيأتي هذا الأعرابي ويتربص بالمسجد ويدخل، ويتخطى الصفوف ويقف أمام الرسول عليه الصلاة والسلام، ما ظنكم برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث إلى جماهير تريد أن ترفع لا إله إلا الله، وتنصر لا إله إلا الله، فيقاطعه هذا الأعرابي.

وفي الأخير يقول الأعرابي لما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم بين الناس كما رواه أهل الصحيحين عن أنس ؛ يقول: أين ابن عبد المطلب -ما كأنه يعرف العلم، وما كأنه يعرف البشير النذير، فيقول الناس: ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، الأمهق: المشوب بحمرة، المرتفق: المتكئ، فيتقدم إليه- فيقول: يا بن عبد المطلب -لا يقول: يا رسول الله: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } [النور:63] - فيقول: قد أجبتك، فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة -انتبه إن سؤالي صعب، ومشكل، إنه مدهش محير فأجبني- قال: سل ما بدا لك، فيقول هذا الأعرابي: من رفع السماء؟ -إن أكبر معجزة عند الأعراب رفع السماء، وهي معجزة حقاً- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله.
-وهم يعرفون أنه الله- قال: من بسط الأرض؟ قال: الله.
قال: من نصب الجبال؟ قال: الله.
قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ قال: اللهم نعم.
واحمر وجهه صلى الله عليه وسلم -إنه سؤال عظيم، داهية من الدواهي أن يسأل عن التوحيد- فيقول: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم.
ثم أخذ يسأله عن أركان الإسلام فلما انتهى ولى وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص }.

فقال صلى الله عليه وسلم: { أفلح الرجل، ودخل الجنة إن صدق } فإذا بالتوحيد يعرض في خمس دقائق، لا عرض المنطق، ولا الفلسفة وعلم الكلام الذين تبر الله سعيهم، أتوا يعرضون العقيدة في طلاسم، فأفسدوا عقيدة الناس في قلوب الناس، العقيدة تعرض كهذا العرض، لا أحاجي، لا ألغاز، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الله لا يغفل عن المأمون الخليفة العباسي في إدخاله علم المنطق على المسلمين، إي والله، لن يغفل الله عنه، ولن يدعه -إن شاء الله- إلا بحساب، كيف يدخل علماً ماجناً خسيساً رخيصاً عند من أتوا بالوحي صافياً منقىً من السماء؟!

فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا

التوحيد وحصين بن عبيد
عند أبي داود وفي مسند أحمد و الترمذي بأسانيد جيدة أن حصين بن عبيد أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -والرسول صلى الله عليه وسلم متوقع أن الرجل له آلهة كثيرة، لأن بعضهم له عشرون وثلاثون من الآلهة، حجارة وخشباً وطلاسم واعتقادات- فيقول عليه الصلاة والسلام: يا حصين بن عبيد ! كم تعبد؟ قال: سبعة؟! قال: سبعة؟! قال: نعم.
قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض، وواحدٌ في السماء، قال عليه الصلاة السلام: فمن لرغبك ولرهبك؟ -إذا ضاقت بك الضوائق، إذا نزلت بك الكوارث، واحتدمت عليك الأمور- قال: الذي في السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء }: { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ { [الزخرف:84] { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } [الزمر:65-66].

وصيته لأبي ذر بالتوحيد
وعند ابن حبان عن أبي ذر قال: { قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشرك بالله، وإن قتلت، وحرقت } فكل شيء إلا الشرك بالله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً } [النساء:116] هذه قطوف من وصاياه صلى الله عليه وسلم في التوحيد، فيها اليسر والأصالة والعمق والوضوح كل الوضوح، توحيد خالص، كل كائنة تعرف أن لا إله إلا الله، اللمعة من الضوء، القطرة من الماء، الورقة من الشجر، البسمة، اللفظة، كل كائن:

وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد

باب العبادة
وأما في العبادة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام طرق أبواب العبادة، وأعطى كل إنسان ما يلائمه، واعلموا: أن أبواب الجنة ثمانية:

توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا
وقل لـ بلال العزم إن كنت صادقاً أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

دخول أبواب الجنة بحسب العبادة
روى البخاري في كتاب الجهاد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد -فينبري أبو بكر رضي الله عنه، وتنبري الهمة العالية- فيقول أبو بكر : هل يدعى أحد من تلك الأبواب الثمانية؟ -رضي الله عنك، إنها همة تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء- فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم، وأرجو أن تكون منهم }.

فيأتي عليه الصلاة والسلام فيطرق تلك الأبواب الثمانية لمن أراد أن يدخل من تلك الأبواب، على قوى الناس، وعلى تأهيلاتهم ورغباتهم، لأن من رغب في الذكر قد لا يرغب في الصيام، ومن رغب في الصيام لا يرغب في الصلاة، قالوا لأعرابي: ألا تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: { من صام ثلاثة أيام من كل شهر أذهب الله عنه وحل الصدر، وكان كصيام الدهر } فقال الأعرابي: أنا في كلفة وهم من رمضان، وأزيد عليه ثلاثة أيام من كل شهر! فلما بشروه بطلوع هلال رمضان، كما يتبشر الصوام القوام، نظر إلى الهلال فكأنه يرى سيفاً في السماء، ثم قال: والله لأشتتنك بالأسفار.

وصية النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الله
الرسول عليه الصلاة والسلام يراعي التأهيلات والقوى عند الناس فيوجههم إلى الأمور التي يمكن أن يبرعوا فيها، يأتي إليه عبد الله بن بسر ، كما في الترمذي بسند حسن وإذا هو شيخ كبير يتكئ على عصاه، فتر من كبر سنه، فماذا عسى أن يقول له صلى الله عليه وسلم؟ هل يقول له: جاهد في أفغانستان ، أو في فلسطين ؟ لا { قال: يا رسول الله؛ إن شرائع الإسلام كثرت علي، فأخبرني بباب أتشبث به من الأعمال -الصلاة شاقة عليه، الصيام كليف عليه- فقال له عليه الصلاة والسلام: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله } لأن الذكر يلائم أهل البنية النحيلة، والذين لا يستطيعون المدافعة ولا المصاولة ولا المجاولة.

يقول ابن تيمية في وصيته لـ أبي القاسم المغربي : واعلم أنه كالإجماع بين العلماء أن الذكر أفضل وأيسر وأسهل عمل، وصدق رحمه الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم يوصي هذا بالذكر، وإن كان من وصية فالله الله في ذكر الله، فإنه والله الباب الذي يفتح على الله عز وجل، إنه الغفران والسكينة، إنه باب المعرفة والتوبة.

يقول ابن القيم في روضة المحبين : يقول تقي الدين بن شقير : خرجت وراء شيخ الإسلام ابن تيمية فلما أصبح في الصحراء من حيث أراه ولا يراني، نظر إلى السماء ثم دمعت عيناه، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قال:

وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خاليا
إن الذكر أعظم ما يمكن أن يتقرب به إلى الله، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يوصي به فيما يقارب سبعين حديثاً صحيحاً وحسناً، ولذلك يقول ابن رجب عن أبي مسلم الخولاني الذاكر العابد، كانت لسانه لا تفتر من ذكر الله:

إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
يقول: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية ، فإذا أبو مسلم يتمتم بلسانه، فظن معاوية رضي الله عنه أن الوسواس قد أصاب أبا مسلم ، قال: أجنون هذا يا أبا مسلم ؟ قال: بل حنون يا معاوية .
حنون إلى الله، حنون إلى روضات الخير والذكر، التي أوجدها الله عز وجل، و أبو مسلم -بالمناسبة- هو الذي وقف موقفاً حازماً أمام الطاغية الكذاب الأثيم الأسود العنسي ، يوم ادعى النبوة وذكر أن جدته أوحت إليه بطلاسم وخزعبلات من الإفك والدجل والكذب على الله، فقال له الأسود العنسي : أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك من الكذابين الثلاثين الذين ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فجمع له حطباً، وأوقد له ناراً، وألقاه في النار، لكن سلالة أهل التوحيد، وسلالة إبراهيم عليه السلام ما انقطعت أبداً.

قال وهو يلقى في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل، فإذا بعناية الله التي كانت لإبراهيم تتكرر ثانية: { يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ } [الأنبياء:69] وكانت برداً وسلاماً على أبي مسلم الخولاني ، فاستقبله الصحابة لما نجا من النار، قال الأسود العنسي : هذا ساحر أخرجوه من اليمن ، واستقبله عمر بحفاوة أيما حفاوة، وقال: حيهلاً بمن جعله الله شبيهاً بإبراهيم الخليل.

وصية النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه بالجهاد
ويأتي عليه الصلاة والسلام إلى رجل مجاهد، عنده عضلات تؤهله إلى أن يضرب بسيف الله، وإلى أن ينتقم من أعداء الله، هو غيلان الثقفي كما عند أبي داود { فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال: عليك بالجهاد في سبيل الله } الجهاد في سبيل الله، رفع راية الله، سكب الدم الغالي، لرفع لا إله إلا الله.

ويأتيه أبو أمامة ، فإذا هو صابر محتسب، فيقول: { دلني يا رسول الله على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ فيقول: عليك بالصيام فإنه لا عدل له } رواه أحمد ، لأنه عليه الصلاة والسلام يعرف أن أبا أمامة من الذين يستطيعون الصيام، ومن الذين يثابرون على الصيام، فبابه باب الصيام، فلا مشاحاة في الأبواب، بل ادخل وحاول أن تدخل، لكن انظر إلى الباب الذي يناسبك، وتستطيع أن تستمر فيه.

رأس الإسلام وعموده وذروة سنامه
عند الترمذي والإمام أحمد من حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه، قال: { كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة -قال بعض الحفاظ: غزوة تبوك - فاقتربت منه، قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يقربني من الجنة، ويباعدني عن النار؟ -ما أحسن السؤال! وما أحسن الإيراد! وما أعجب المقال!- فقال عليه الصلاة والسلام: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه } فاسمع إلى مؤهلات الجنة، واسمع إلى الأبواب التي توصل إليها، واسمع إلى هذه الخصائص التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، والمفاتيح التي تدخلك أبوابها، لا الشهادات!! لا المؤهلات!! لا المناصب!! لا الجاه والشهرة والرياء والسمعة!! كلها تسقط هباءً منثوراً: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً } [الفرقان:23].

قال عليه الصلاة والسلام، وهو يتحدث عن الأعمال الموصلة إلى الجنة: { تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصيام جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا عليه الصلاة والسلام { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [السجدة:16] ثم واصل الوصية عليه الصلاة والسلام، فقال: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه، فتعجب معاذ -أفي الكلام حساب وعقاب؟! أفي المقال نكال وعذاب؟!- فقال: يا رسول الله! أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال عليه الصلاة والسلام: ثكلتك أمك يا معاذ -إلى الآن ما فهمت هذه القضية- وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على أنوفهم- إلا حصائد ألسنتهم } هذه وصية أهداها صلى الله عليه وسلم، تحمل العبادات، بل مفاتيح الجنة.

كثرة السجود
ويأتيه عليه الصلاة والسلام شباب فتيان متقاربون في السن، فيقول: ما حاجتكم؟ -فأهل الأموال طمعوا في الأموال، وأهل الجاه طمعوا في الجاه، وأهل الثياب طمعوا في الثياب، لأن بعض الناس يرضيه أن تكسوه ثوباً، لا أن تهدي له علماً أو نصحاً أو فائدة- فأعطى صلى الله عليه وسلم كل إنسان منهم ما يريده، إلا ربيعة بن مالك رضي الله عنه قال: { كنت أبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال يا ربيعة سل، قلت: أسألك مرافقتك في الجنة؟ قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود } رواه مسلم ، وفي لفظ آخر: { فإنك لن تسجد لله سجدة، إلا رفعك بها درجة }.

كلما سجدت لله سجدة رفعك بها الله درجة، إن عظمتك أيها المسلم، وسموك وإخلاصك ونصحك أن تكرم وتعفر هذا الوجه بالسجود لله، فوالله ثم والله ثم والله إما أن تسجد لله، أو تسجد لغير الله، إما أن تسجد للواحد الأحد، أو تسجد لمنصبك، ولبطنك، ولشهوتك، ولزوجتك، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: { تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار } فسماه عبداً؛ لأنه عبد هواها وعشقها، وأحبها حباً جماً.

فإما أن تكون عبودية لله، وإما أن تكون عبودية للهوى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ } [الجاثية:23]:

ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

إزالة الأذى من طريق المسلمين
يأتي أبو برزة كما عند الترمذي ، فيقول: { يا رسول الله! دلني على عمل؟ قال: أزل الأذى عن طريق المسلمين } إن أبواب الخير عدد الأنفاس، لكن أين السالكون؟ إن طرق السعادة عدد الشعاع، ولكن أين الماضون؟ إن مفاتيح الخير لا تعد ولا تحصى، ولكن أين الفاتحون؟ أين الذين يريدون الله؟ أين الذين يريدون ما عند الله عز وجل؟ إن هذه الطرق سلكها وأوصى بها صلى الله عليه وسلم، ولكن بثلاث خصائص: بالأصالة والعمق، والإيجاز والاختصار، ثم بمراعاة الحال.

باب الزهد
ويأتي صلى الله عليه وسلم إلى الزهد، والناس في الزهد بين غال وجاف، وأحسن من عرفه -فيما أعلم- شيخ الإسلام ابن تيمية ، لأن بعض الناس قال: أن تزهد في الحرام، إذا: فما زهدت إذا لم تزهد إلا في الحرام، لأن الدنيا أكثرها حلال إذاً: فابتن ما شئت، واسكن فيما شئت، وكل ما شئت، والهى بما شئت، فإذا لم يكن الزهد إلا في ترك الحرام فلا زهد في الدنيا، وقال غيرهم: الزهد في المباحات وأخطئوا، وقال غيرهم: الزهد ألا يكون عندك شيء، وهؤلاء هم غلاة الصوفية الذين يتربع أحدهم إلى تلاميذه، فيقول: الحمد لله أصبحنا وأصبح الملك لله، قالوا: ماذا حدث؟ قال: تذكرت البارحة ما أكلت رطباً من أربعين سنة!! ومن أحرمك الرطب من أربعين سنة، والرسول صلى الله عليه وسلم أكل الرطب، وأكل اللحم، وتزوج النساء، ونام، وقام، وأكل الحلوى والعسل، فهل أنت أفضل منه!
يقول الذهبي لما قال رجل من غلاة الصوفية : لقد جعت ثلاثة أيام، فرأيت صوراً غريبة عجيبة أمام عيني، فاستبشرت بذلك!! قال الذهبي معلقاً: والله ما كانت صوراً ولكن عقلك خاش وفاش من الجوع، فتصور لك الشيطان، إنهم يخيسون من الجوع، فيأتون بوساوس ويقولون: إلهامات، حتى ما بقي عليهم إلا أن يقولوا نزل عليهم جبريل عليه السلام، فأوحى إليهم وحياً، وإنما نزل عليهم ما نزل على مسيلمة الكذاب في اليمامة ، يوم أن أخرج الوساوس من رأسه سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه .

حقيقة الزهد عند ابن تيمية
يقول ابن تيمية الزهد هو: ترك ما لا ينفع في الآخرة، جملَّ الله حالك، وبيض وجهك، وهل التأليف إلا هذا! وهل الكلام إلا مثل هذا! هو ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، أما ما ينفع فالزهد فيه حمق وجنون وسفه، فكل ما ينفعك فلا تزهد فيه، لأنه يقربك من الله، ويقول ابن الجوزي في صيد الخاطر : تركت أكلات كنت آكلها عجيبة طرية شهية -يسيل معها اللعاب، هذه من كيسي ليست من كيسه- فما استطعت أن أقوم الليل، ولا أن أقرأ القرآن، فعدت إلى مألوفي في الطعام، فقرأت خمسة أجزاء في كل يوم.

إن بعض الطعام والمنام والملبس والمسكن والمركب يعينك على تقوى الله، فتركه ليس من الزهد، وأبواب الزهد التي طرقها صلى الله عليه وسلم ما يقارب أربعة أبواب: زهد في الدنيا وفي الحطام، وزهد في الإمارة والشهرة، وزهد في الناس وما أدراك ما الناس؟ وهي الخلطة التي يكسب منها الرياء والسمعة، ثم زهد الملهيات والمضيعات.

الزهد في الدنيا
أما أروع حديث في الزهد فهو لـ ابن عمر في البخاري ، يقول: كنت في السوق، فأخذ صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: { يا عبد الله ! كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل } فارتسمت هذه الكلمة في ذهن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه، نسي كلام الناس إلا هذه الكلمة { كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل } فكان غريباً بمعنى الكلمة، ترك كل شيء بمعنى الغربة التي يريدها صلى الله عليه وسلم، حتى كان يسجد في الحرم ويمرغ وجهه وهو يبكي ويقول: [[ اللهم إنك تعلم أني ما تركت الخلافة لقريش إلا من مخافتك ]] إي والله، وإلا فباستطاعته أن ينال الخلافة، فإنه ابن عمر بن الخطاب :

نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
فترك هذا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: { كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل } فكان دائماً غريباً في ملبسه وخلطته وكلامه، وبيته، وكان غريباً في منهجه، يقول: ما شبعت منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر سنة، يأكل دون الشبع وفوق الجوع، أورد ذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم .

ولذلك أتاه رجل من أهل العراق ، فما وجد هدية إلا جوارش، والجوارش حبوب تحبب الأكل إلى الإنسان ليأكل أضعاف ما كان يأكله، لئلا يبقي شيئاً في الصحفة ولا في القدر، فأتى لـ ابن عمر رضي الله عنه وقال: هذه جوارش يا عبد الله قال ابن عمر : وما الجوارش؟ قال: حبوب تحبب لك الأكل، وتضريك على الطعام، قال: والله ما شبعت منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتريدني أن أشبع الآن؟ فلسنا في هذا الكلام، ولا في هذا المنهج، ولكن انظر كيف وجهه صلى الله عليه وسلم إلى الزهد في الدنيا عامة.

الزهد فيما عند الناس
عند ابن ماجة بسند حسن، عن سهل بن سعد قال: { أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس } إن السؤال يدل على السائل، ولذلك تكتشف عقل الرجل ونباهته ويقظته من سؤاله وإيراده، وبعض الناس يبهر بالمظهر، فإذا تكلم فإذا هو ليس بذاك، فيعود إلى تقويمه وإلى وزنه:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
جاء رجل إلى أبي حنيفة ، فإذا عليه لباس ما شاء الله تبارك الله، طول وجسامة وثياب براقة لماعة، وعمامة مكورة، فجلس أمام أبي حنيفة وكان أبو حنيفة ماداً رجله اليمنى، فردها متأدباً مع هذا الرجل الداهية، فطال المجلس، و أبو حنيفة مستحٍ متوقر خجول، فالتفت إلى الرجل فقال: ألك حاجة؟ قال: الرجل سؤال يا أبا حنيفة ، سؤال أكربه وأسهره في الليل، قال: ما هو سؤالك؟ قال: متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال: فإذا لم تغرب الشمس إلا نصف الليل فمتى يفطر؟ فمد رجليه وقال: آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه كلتيهما، ليست رجلاً واحدة.

وهل يأتي الليل إلا بعد غروب الشمس، فالرجل من عقله وحصافته يقول: { دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس؟ قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس } كأن السؤال على وزن الجواب، لا زيادة ولا نقص، لكنه أعظم وأنفع وأبرك وأنور، فهذه وصاياه عليه الصلاة والسلام في الزهد في الدنيا.

الزهد في الإمارة
وأما في الإمارة فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يتطلع في الصحابة، ومن غرائز الناس حب الشهرة، وحب الظهور، وحب الترأس، نسأل الله العافية والسلامة.

ذكر الذهبي في ترجمة عبد الله بن الزبير : أنه رحمه الله ورضي عنه كان يحب أن يتقدم ويتصدر، حتى أرسله أبو بكر رضي الله عنه بسارق ليؤدبه هو وشباب معه من المدينة ، فذهبوا به إلى ضاحية، فقال: من أميركم في هذه الرحلة؟ يريد أن يقولوا: أنت، فقالوا: أنت فأخذ يأمر فيهم وينهى من المدينة حتى عاد إلى المدينة .

فالمقصود: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلمح في وجوه أصحابه هذه الغرائز، فكان يعالجها ويداويها عليه الصلاة والسلام، أتى له عبد الرحمن بن سمرة العبسي القرشي الشهير، كما في الصحيحين فقال صلى الله عليه وسلم وهو يوصيه: { يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة -احذر- فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إلى نفسك، وإن أعطيتها بلا سؤال أعنت عليها } فكان يقول صلى الله عليه وسلم: احذر الترأس، احذر التصدر وازهد، وبالفعل كان هذا الرجل لا يحرص على الإمارة، وأخذ بوصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فرزقه الله عز وجل الإنابة، وكان أميراً وهو الذي فتح سجستان ، فاسألوا عن سجستان ، واسألوا كابول ، واسألوا عن الذين عفروا وجوههم هناك سجداً لله، وسكبوا دماءهم هناك لتشهد لهم عند الله، من هم إلا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:

ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
ومن رمى نار المجوس فأطفأت وأبان وجه الصبح أبيض نيراً
فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعند الترمذي وغيره من أهل السنن قال: { قلت: يا رسول الله ما النجاة؟ -ما هو الأمر الذي ينجيني من عذاب الله- فقال عليه الصلاة والسلام: كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك } وكانت من أعظم الوصايا له وأرضاها، فأوصاه بقلة الخلطة التي لا تنفع، وتضيع الوقت، يوم لا وقت عند المسلمين إلا في الهراء، والغيبة والنميمة، وشهادة الزور، الوقت الذي أصبح أرخص سوق له هو السوق عند المسلمين، وأصبحوا يتعاملون بالوقت أرخص من الدراهم والدنانير، ونسوا قوله تبارك وتعالى: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } [المؤمنون:115-116].

فأين الوقت يا أمة الوقت؟ وأين الساعات الطويلة التي كل ساعة كفيلة بأن ينتج فيها العالم كتاباً، والداعية دعوة، والتاجر تجارة رابحة، والمعلم مهنة طيبة، أين هذه؟ إنها ساعات رخيصة، إن شيخ الإسلام ابن تيمية -كما تعلمون- ألف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وجئنا لندرسه فأخذنا فيه سنة وما فهمناه التدمرية : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ } [الأحقاف:25].

هذا الوقت الصغير القصير لا يتحمل إلا قيلولة عند المترفين منا، ويضيع الوقت من صلاة العصر إلى صلاة المغرب في شرب الشاي، وأما من المغرب إلى العشاء ففي الجولات والصولات التي لا تنفع في دنيا ولا في آخرة، وأما من بعد العشاء، ففي السهرات وما أدراك ما السهرات وما السمرات في أعراض الأحياء والأموات!! ولا تنفع هذه الأوقات إلا أن تؤهل بتأهيل الله عز وجل، يقول عليه الصلاة والسلام: { لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع } وذكر العمر والشبابا.

نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
يقولون -كما تعرفون ذلك-: إن ابن عقيل الحنبلي ألف كتاب الفنون ثمانمائة مجلد في وقت الراحات، ولذلك كان هذا الكتاب عجباً من العجب، ما ألفه إلا في أوقات الراحة، فهل نستطيع أن نقرأ ثمانمائة مجلد.

باب الأدب والأخلاق
وأما العنصر الرابع من أبواب وصاياه صلى الله عليه وسلم فهو باب الأدب والأخلاق، كيف طرق صلى الله عليه وسلم هذا الموضوع؟ وكيف أهدى وأسدى لهذه الأمة ما يكفيها وما يشفيها، نحن لسنا بحاجة -نقولها صراحة وبقوة وبشجاعة وبعمق- إلى علم النفس الذي يرد علينا من الغرب، ولا التربية، ولا علم الكلام، تربيتنا وعلم نفسنا من كتابنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا حاجة لنا بغيرهما، فقد أغنانا الله عز وجل بما عندنا، فلا نورد المريض على الصحيح، إنهم مرضى، فكيف نستشفي من المرضى؟! إنهم موتى فكيف نطلب الحياة من الموتى؟! إنهم جوعى فكيف نطلب الشبع من الجوعى؟! لا والله:

والمستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
يقول ابن تيمية -وقد تكررت هذه الكلمات في مناسبات-: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أُرسل به محمد صلى الله عليه وسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.

أحكامنا وآدابنا وأخلاقنا وعقيدتنا وسلوكنا وشئون حياتنا في كتابنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا نحتاج إلى غيرنا أبداً، نحن نصدر إلى الأمم ولا نستورد، نحن نعطي ولا نأخذ، نحن نوجه ولا نتوجه إلا من الله الحي القيوم، لأننا خير أمة أخرجت للناس، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يأمر بحسن الخلق.

أتاه أبو ذر كما في الصحيح -ولم يسمه في الصحيح- فقال: { يا رسول الله أوصني -والرسول صلى الله عليه وسلم يعرف ما هو مرض هذا الرجل وداؤه المزمن، ويعرف العلاج الذي ينبغي أن يصرف له- فقال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب } فكانت هذه وصيته صلى الله عليه وسلم، وعلم فيما بعد أن بلية هذا السائل من غضبه رضي الله عنه وأرضاه، لا يتحمل، لأن فيه حدة متناهية، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يضع العلاج، وأن يضع الدواء على الداء، فقال: لا تغضب لأنه يغضب، أما أن يأتي إلى إنسان قطع الحلم جنبيه، ومزق فؤاده وأصبح لا يغضب أبداً، يستغضب ولا يغضب، ويضرب على رأسه وهو يضحك، فيأتي ويقول: لا تغضب، قال: زدني، قال: لا تغضب، قال: لا تغضب، أو يأتى إلى إنسان يغضب من مر الهواء، ومن شرب الماء، فيقول: عليك أن تقلل من الحلم، وعليك بالحزم، وعليك بالصرامة، فليس هذا من هديه صلى الله عليه وسلم، ولا من وصاياه: { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [النجم:4-5] قال: لا تغضب.

وقال له معاذ كما في الترمذي : { يا رسول الله أوصني؟ قال: أحسن خلقك للناس } وقد كان معاذ رضي الله عنه وأرضاه، يُرى فيه بعض الحدة، فقال له صلى الله عليه وسلم:{ أحسن خلقك للناس } وقال لرجل آخر كان مغضباً دائماً، لا يلقى الناس إلا مكفهراً مشمراً غضباناً صئولاً جريئاً كأن القيامة قامت، لا يتبسم أبداً، فقال: { يا رسول الله! أوصني؟ قال: عليك بالمعروف، ثم قال عليه الصلاة والسلام، ولو أن تبسط وجهك لأخيك، وعند أحمد : ولو أن تسلم على أخيك ووجهك منبسط إليه }.

ويقول عليه الصلاة والسلام لثالث: { لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلق أخاك بوجه طليق } وفي لفظ: { بوجه طلق } وكلها تؤدي إلى أن تنبسط وجوه الأحباب إلى الأحباب، وأن يتخالق الناس ويتعاملوا بالود والمحبة، وأن تتعلم تلك الوجوه التي تكفهر في وجوه الناس ولا تبتسم أن الله لا يرفعها بالتزمت، ولا بالغضب، ولا يرفعها بالاكفهرار، إنما بالبسطة والخلق، وعقلاء العرب قبل الإسلام مجمعون على أن بسطة الوجه من الكرم.

يقول أولهم:

تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
فالرسول عليه الصلاة والسلام في جانب الأدب والخلق كان يوجه الناس إلى ما يرفعهم عند الله.

ولذلك يقول كما في السنن : { إن الرجل ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم } ويقول كما عند الترمذي : { ألا أنبئكم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون }.

وضرب صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة في كل وصية أوصى بها: في التوحيد، فهو الذي أنزل الله عليه التوحيد، وفي العبادة فهو أعبد الناس لرب الناس، وفي الزهد فهو أزهد الناس في الحطام، ما خلف شيئاً، وإنما خلف رسالة وأمة ومنهجاً ربانياً قائماً، وفي الخلق فهو أحسن الناس خلقاً، يقول الله عز وجل: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4] عظيم صبرك، وحلمك، وتواضعك عظيم، وأي خلق فوق خلقه صلى الله عليه وسلم؟! يقول أنس رضي الله عنه وأرضاه: { كان عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خلقاً } ويقول جرير بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي } ويقول أبو سعيد الخدري كما في الصحيحين : { كان صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها } ويقول بهز بن حكيم : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألين الناس عريكة } ويقول عبد الله بن سلام : { لما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم وهو منبسط، قلت: والله ما هذا بوجه كذاب }.

حتى يقول ابن رواحة لما رأى ذلك الوجه المشرق المنبسط:

لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر
فهذا شيء من وصاياه، وإنها لطويلة وكثيرة، ومن أراد وصاياه فليعد إلى كتب السنة، وليعش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعش مع العلم الأصيل، ومع الثروة الغزيرة النافعة النفاذة، ليعش مع الرياض المؤنقة، رياضه عليه الصلاة والسلام، فإنه لا خير إلا عنده، ولا نور إلا من مشكاته، ولا ماء صافياً إلا من نبعه، وأما المصادر الأخرى فقد جربت، إنها كدرة مشوبة.

فيا أمة الإسلام!! ويا أبناء من حملوا لا إله إلا الله في ديار الإسلام، ويا من يريد الوصايا، هذه وصاياه صلى الله عليه وسلم لأصحابه ولكم، ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة.

لكل من يريد الله، ويريد ما عند الله، فاقبلوها وادخلوا أبواب الجنة فقد فتحت لكم: فحي هلاً بكم، فمن كان من أهل الذكر فالذكر نصيبه، ومن كان من أهل الصيام فالصيام حظه، ومن كان من أهل الصلاة؛ فالصلاة له، وما أحسن أن تضرب من كل غنيمة بسهم، وأن تشارك مع المصلين في صلاتهم، فإذا أنت الخاشع العابد، وأن تشارك مع الذاكرين في ذكرهم، فإذا أنت الشاكر الذاكر، وأن تشارك مع المجاهدين في جهادهم؛ فإذا أنت البطل المقدام، وأن تشارك مع الصوَّام في صيامهم؛ فإن خلوف فمك أطيب من ريح المسك.

تقبل الله منا ومنكم أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا وسيئاتكم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

أسأل الله كما جمعنا هنا في روضة طيبة طاهرة، أن يجمعنا هناك في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم أن نرى ربنا سبحانه وتعالى، ويوم نرى رسولنا صلى الله عليه وسلم، ويوم نرى مفاتيح الخير أبا بكر و عمر و عثمان و علي ، ورسل السلام وقواد لا إله إلا الله، وحملتها، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين

0 التعليقات:

إرسال تعليق